أحمد بن محمد مسكويه الرازي

تصدير 7

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

تصدير عام الشرق موطن الأمثال والحكم القصيرة والكلمات العامرات بمعانى « الحكمة في الحياة » على حد تعبير شوبن هور . فهو يقدس « الكلمة » بالمعنى الأتم لهذا اللفظ ذي التاريخ الحافل في الأديان الشرقية كلها ، وبخاصة في اليهودية ممثلة في فيلون ، والمسيحية كما رسمها مستهل « الإنجيل الرابع » المنسوب إلى يوحنا ، والاسلام كما بلغ أوج صورته الثيو صوفية في مذهب محيي الدين بن عربى . ومن هنا كانت أكثر الكتب رواجا في الفكر الشرقي عامة كتب الكلمات القصيرة الحكمية : سواء أكانت في صيغة مناجاة أم كانت على هيئة نثر مطرد الفقرات . وآية هذا المكانة الكبرى التي ل « مزامير داود » وسفر « الأمثال » ، و « الحكمة » ليشوع بن شيراخ و « الجامعة » المنسوب إلى سليمان - من بين أسفار « العهد القديم » عند اليهود ؛ وكتب ال « أندرزها » الإيرانية التي انتشرت في إيران قبيل الإسلام وبعده بقليل . بل إن العقل الشرقي لم يستطع أن يهضم الفلاسفة اليونانيين إلا بعد أن وضعت لهم - انتحالا في أغلب الأمر - أمثال وجمل حكمية قصيرة عنى بإيرادها كثير من كتب « الملل والنحل » و « نوادر الفلاسفة » في الإسلام ، كما يشاهد خصوصا في كتاب « الكلم الروحانية في الحكم اليونانية » لأبى الفرج بن هندو ( المتوفى سنة 420 ه / 1029 م ) ، وفيما أورده قبله وبعده كثير من الكتاب مثل الجاحظ وأبى بكر محمد بن زكريا الرازي وأبى حيان التوحيدي وأستاذه أبى سليمان السجستاني في كتاب « صوان الحكمة » . وفي فكرة « الفصوص » نفسها ونقوش الخواتم ما يدل على معنى هذه العناية الهائلة عند الشرقيين بالكلم الروحانية القصار : فحنين بن إسحاق يعنى في كتابه « نوادر الفلاسفة » بذكر نقوش خواتم الفلاسفة اليونانيين الذين أورد أخبارهم و « نوادرهم » في كتابه هذا ؛ والفارابي ينسب إليه - وقد بدأ الشك يساور الباحثين حول صحة هذه النسبة - كتاب « فصوص الحكم » ؛ وابن عربى يسمى رائعة مؤلفاته باسم